فخر الدين الرازي
130
تفسير الرازي
كقولك : زيد كريم وعمرو أكرم . ثم إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع ، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع . فأولها : قوله تعالى : * ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء : " وإن " بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة ، ومنها قوله تعالى : * ( وإن كل لما جميع لدينا محضرون ) * ( يس : 32 ) . المسألة الثانية : التفجر التفتح بالسعة والكثرة ، يقال : انفجرت قرحة فلان ، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور . وقرأ مالك بن دينار " ينفجر " بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار . قالت الحكماء : إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض ، فإن كان ظاهر الأرض رخواً انشقت تلك الأبخرة وانفصلت ، وإن كان ظاهر الأرض صلباً حجرياً اجتمعت تلك الأبخرة ، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهاراً . وثانيها : قوله تعالى : * ( وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ) * ، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عيناً لا نهراً جارياً ، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل ، وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها ، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري منه الأنهار ، وقد تقل ، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى : * ( يشقق ) * أي يتشقق ، فأدغم التاء كقوله : * ( يذكر ) * أي يتذكر وقوله : * ( يا أيها المزمل ) * ( المزمل : 1 ) ، يا أيها المدثر ) * ( المدثر : 1 ) . وثالثها : قوله تعالى : * ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) * . واعلم أن فيه إشكالاً وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء ، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه ، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوهاً . أحدها : قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى : * ( وإن منها ) * راجع إلى القلوب ، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية : وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة ، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين ، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقاً بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة ، واعترضوا عليه من وجهين . الأول : أن قوله تعالى : * ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) * جملة تامة ، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله : * ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) * فيجب في قوله تعالى : * ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) * أن يكون راجعاً إليها ، الثاني : أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب ، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية ، وثانيها : قول جمع من المفسرين : إن الضمير عائد إلى الحجارة ، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاملة ، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى